اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

446

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

طويل الطريق الوحيد إلى غرناطة فقد سلكه قبله ابن بطوطة منذ أكثر من قرن وذلك في عام 752 ه - - 1351 52 - 1352 ، كما سلكه بعد ثلاثين عاما من عبد الباسط وذلك في عام 1494 - 1495 : أي عقب سقوط غرناطة ، الرحالة الألماني هيرونيم مونتسر H . Muntzer ووصفه في كتابه « الرحلة الإسبانية » Iter Hispanicum 53 . ولم يقدر لعبد الباسط أن يحقق حلمه بزيارة قرطبة على الرغم من أن التجار المسيحيين والمسلمين كانوا يتنقلون من منطقة إلى أخرى بحرية تامة ؛ وكان السبب الذي حال دون ذلك هو أن رحالتنا قد أصيب بجراحة بالغة 54 في معركة شخصية وحين برئ من جرحه أخذ طريق العودة فبلغ وهران في فبراير من عام 1466 ، ثم مصر في مايو من عام 871 ه - 1467 . وقد عمر عبد الباسط طويلا وتوفى قبل وقت قصير من فتح العثمانيين لمصر وذلك في عام 920 ه - 1514 متمتعا بتقدير الجميع له كفقيه من فقهاء الحنفية وبسمعة واسعة كخبير في الطب 55 . ومن بين المؤلفات العديدة التي خلفها لنا يحتل أهمية خاصة كتابه في التاريخ « الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم » الذي يعالج تاريخ الفترة من عام 844 ه - 1440 إلى زمن المؤلف ، والذي يولى فيه اهتماما خاصا لسير مشاهير الرجال خاصة العلماء الذين التقى بهم 56 . وقد كشف المستشرق ليقى ديلاقيدا Levi della Vida منذ عهد غير بعيد بمكتبة الفاتيكان 57 عن قطعتين من تاريخه هذا إحداهما بخط يد المؤلف نفسه ؛ وفيهما يروى المؤلف بعض قصص أسفاره ولحوادث المعاصرة له . وقد نشر ليفى ديلافيد بعض الشذور المتعلقة بالأندلس 58 ومن مراجعتها يستطيع القارئ أن يخرج بنتيجة مؤداها أن مادته ليست بذات قيمة كبيرة بل إنها فقيرة ، كما أن أسلوبه يغلب عليه الجفاف . وعلى الرغم من أن المؤلف كان يشغل أثناء وضعه لمصنفه مركزا رفيعا وكان قد نال درجة من الثقافة تفوق المتوسط فيما يبدو إلا أنه لم يكن عالما كبيرا أو ذا نظر ثاقب في تحليل المسائل السياسية ولو أنه تمتع بدرجة فائقة من قوة الملاحظة في شبابه ؛ ويبدو من أسلوبه أنه سريع الدهشة سريع التصديق ، مع ميل واضح إلى الغريب والنادر شأنه في هذا شأن معظم معاصريه . وهو يعبر عن نفسه بجمل عامة ؛ ومع أن ملاحظاته تتميز بالحيوية إلا أنها تتصف بالضحالة ولا تنفذ إلى أعماق ما شاهده أو تذكره . أما غرناطة فتذكره قبل كل شئ بدمشق التي عرفها فيما يبدو جيدا ؛ وهو كثيرا ما يعود إلى هذه المقارنة بين المدينتين دون أن يورد أمثلة ملموسة لاوجه الشبه بينهما . وعلى الرغم من كل هذا فإن سرده يتصف بالأمانة وبالبساطة بل ويكتسب قيمة كبيرة لأنه يترجم عن أحاسيسه المباشرة ، تلك الأحاسيس التي يستشعرها أي عربى قادم من المشرق حين يجد نفسه أمام جمال الطبيعة في - - الأندلس وأمام آثارها الفنية القيمة . ويمكن من خلال عرضه أن يستشف ذلك الشعور بالأسى الذي يستولى على قلب كل مسلم مخلص وهو يبصر تقدم « الكفار » التدريجي نحو الجنوب ويستشعر في دخيلة نفسه أن أيام العرب في تلك البلاد قد أصبحت معدودة 59 . أما ميزة